لو عاد نيتشه إلى عالمنا اليوم فقد يستغرب من شيء واحد: لقد نجح الإنسان في تحقيق كثير من أحلامه القديمة، لكنه لم ينجح في التخلص من شعوره بالفراغ. فبعد قرون من التقدم العلمي والتكنولوجي ما زال السؤال نفسه يلاحق البشر: ما معنى كل هذا؟
كان نيتشه يعتقد أن الإنسان يحتاج إلى معنى كما يحتاج إلى الهواء. وعندما تضعف المعاني التي كانت تمنح الحياة اتجاهاً واضحاً يبدأ الشعور بالضياع في الظهور. لكن نيتشه لم يكن الوحيد الذي لاحظ هذه المشكلة.
بعده بسنوات طويلة رأى إريك فروم أن الإنسان الحديث أصبح يملك أشياء أكثر من أي جيل سبقه، لكنه أصبح في الوقت نفسه أكثر اغتراباً عن ذاته. لقد تعلم كيف يستهلك، لكنه نسي كيف يعيش. وأصبح يقيس قيمته بما يملكه لا بما هو عليه.
أما مارتن هايدغر فكان يرى أن الإنسان يغرق أحياناً في تفاصيل الحياة اليومية إلى درجة تجعله ينسى السؤال الأهم: ماذا يعني أن أكون موجوداً أصلاً؟ ولهذا قد يمر العمر كله في الانشغال بالأشياء الصغيرة دون التوقف للتفكير في الغاية التي تتحرك من أجلها كل هذه الأشياء.
وفي عصرنا الحالي يقدم بيونغ تشول هان تفسيراً مختلفاً. فهو يرى أن الإنسان لم يعد يعيش تحت سلطة السجن أو القمع بقدر ما يعيش تحت سلطة الإنجاز المستمر. الجميع يريد أن يكون أكثر إنتاجية، وأكثر نجاحاً، وأكثر حضوراً. لكن هذا السعي الذي لا ينتهي يخلق إرهاقاً عميقاً وشعوراً دائماً بأن ما نفعله لا يكفي أبداً.
وربما لهذا السبب يبدو الفراغ اليوم أكثر حضوراً من أي وقت مضى. فالتكنولوجيا جعلت الحياة أسهل، لكنها لم تمنحها معنى. والوفرة جعلت الخيارات أكثر، لكنها لم تجعل الاختيار أسهل. ولهذا ما زالت الأسئلة التي طرحها نيتشه وهايدغر وفروم وبيونغ تشول هان حاضرة حتى اليوم، وربما أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

